الفن _في اشكاله المختلفة _هو محاولة البشر لتصوير الايقاع الذي يتلقونه في حسهم من حقائق الوجود ،في صورة جميلة موحية مؤثرة.و الفنان شخص موهوب ،ذو حساسية خاصةنتستطيع ان تلتقط الايقاعات الخفية اللطيفة التي لا تدركها الاجهزة الاخري في الناس العاديين ؛و ذو قدرة تعبيرية خاصة تستطيع ان تحول هذه الايقاعات _ التي يتلقاها حسه مكبرة مضخمة_الي لون من الاداء الجميل يثير في النفس الانفعال ،و يحرك فيها حاسة الجمال.
انه كجهاز الاستقبال اللاسلكي الدقيق ،الذي تحس صماماته بالموجات الدقيقة الخفية فتلتقطها و تكبرها ،ثم تحولها الي صوت و نغم ،صاف جميل يهز الاسماع .
و الفنان _و كل بشر بصفة عامة _لابد_مادام حيا_ان يتلقي من الكون ايقاعات معينة في حسه،تتوقف علي طبيعة هذا الحس،بين العمق و الضحالة،و الكبر و الضالة،و تتوقف علي المساحة التي يكشف عنها حسه من صفحة الكون الكبير .ثم يمضي يحاول التعبي عن هذه الايقاعات بالطريقة الفنية الميسرة له نمن لفظ او لحن او خطوط او الوان.
و من ثم لا يمكن الفصل بين الفن_في اي شكل من اشكاله_ و بين الصورة التي يتخذها الوجود في نفس الفنان ،و الايقاعات المختلفة التي يتلقاها حسه من هذا الوجود.
و قد تكون هذه الحقيقة واعية في نفس الفنان او غير واعية .و لكن النتيجة واحدة في الحالين.فهو لا يمكن ان يعبر الا عن انعكاس الحياة في نفسه ،و لا يمكن ان يكون تعبيره الا من الزاوية التي يرصد منها الوجود،و يتلقي منها الايقاع ..ذلك ما دام فنانا حقيقيا،صادق التعبير،و ليس مجرد صانع ماهر يتفنن في صنعة الاخراج.
لذلك يكون من المهم ان نعرف صورة الكون في حس كل فنان قبل ان نقوم بتقويم انتاجه الفني.و يكون من اصلح المقاييس في هذا التقويم ان نعرف المساحة التي يشغلها الكون في نفسه،او المساحة التي تطلع نفسه عليها من كيان الكون فعلي قدر اتساع هذه المساحة او ضيقها يكون اتساع افقه الفني او ضيقه ،و تكون عظمة فنه او ضالته..و ذلك مع الوفاء بشروط الاداء الفني بطبيعة الحال.
............
كتاب منهج الفن الاسلامي
محمد قطب
ص11
...........



