
..............
من اعمال الانسان "ايمان مالكي" ... و قد حلا لي في هذه اللوحة بالذات ان اقول "الانسان " لان الانسانية كمذهب فكري هي التي تقود خطاه كفنان تشكيلي و تحدد له مجالات الاختيار في موضوعاته الفنية.هذه اللوحة و التي اعتبرها من وائع الفن بصورة عامة و بالطبع فهي من روائع "مالكي "الكثيرة ..يرصد فيها "مالكي" الكثير من الملامح و الهموم الانسانية في وجه رجل جالس واضعا ساقا علي ساق و في يديه قلم و كتاب. و في ملامح وجهه من الحكايات اكثر مما في الكتاب الذي في يديه و اكثر كذلك مما يستطيع القلم ان يكتب .و يغلب علي ظني ان هذا الرجل قد كتب بهذا القلم هذا الكتاب ،و ان هذا الكتاب ما هو الا حكاية هذا الرجل و قصة حياته و تجربته في الحياة.
ان الرجل الان يجلس واضعا ساقا علي ساق ،و علي ساقه يمسك بين يديه ،قصة نفس الرجل ،او نسخة اخري منه _من الرجل_ لكنها محفوظة مجمدة بين غلافي كتاب .نحن اذن في هذه اللوحة لسنا نري رجلا و كتاب بل نري رجلين لكن الشكلين مختلفين تمام الاختلاف. و يمكن ان ننظر للمشهد بصورة عكسية فنري كتابا امام كتاب اخر انتهت قصته كانسان حي . و ايا كان المشهد الذي سنري الوحة من خلاله فاننا امام لوحة عظيمة جدا سواء كمنتج فني بما تحمله من قيم جمالية او كمنتج فكري بما حملها الفنان من قيم فكرية.
الرجل جالس جلسة من انتهي توه من اعمال قاسية مجهدة،_لعل هذا العمل هو كتابة قصة حياته نفسها_،فجلس جلسة استراحة يفكر فيما مضي من جهد بذله و فيما عاد عليه من نفع و ضر ،و كيف كانت رياح القدر ،مواتية او معاكسة، و كيف راي الناس ،هل كانوا كما خبرهم دائما ،ام اكتشف لهم حقيقة اخري تحت الجلد ،و كيف نجا من الهزائم و الانكسارات ،و كيف خبر النصر ،و كيف و كيف و كيف؟؟؟؟؟؟؟؟؟ احداث كثيرة جدا حاول جاهدا ان يحصرها في كتابه (قصة حياته)ربما افاد منها ابناءه و من ياتون بعده الي هذه الحياة.
استطاع الفنان ان يبدع هذه اللوحة ببراعة فائقة تعودناها من الفنان "مالكي" في كل لوحاته ،اذ لم يرسم الفنان اي لوحة لم تعجبنا ،ففيض عبقريته لم يزل مستمرا حتي انتهت حياته؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
فملامح الرجل تعلن بجلاء عن قدرة فنان مرهف الحس نبغ في رصد ادق الملامح و التعبير عنها بالفرشاة و القلم كادق ما تكون اي الة تصوير الا ان الفنان يختلف عن الة التصوير في قدرته علي تعبئة ما رسمه بهموم الانسان و مشكلاته ،كما يمكن للفنان ان يعبر الي حد بعيد عن طبيعة المشكلات التي تواجه الانسان من خلال لوحاته الفنية ،فيمكن للفنان ان يعبر لنا عن انسان يفكر في المستقبل و مدي قلقه و خوفه من مواجهته ،و يمكن له كذلك ان يعبر لنا عن ياسه من يومه او تفاؤله بما هو ات.. اما الكاميرا فانها لا تفعل اي شيء من ذلك ،يمكنها فقط ان تعبر عن شيء جميل اذا امسكتها يد الفنان .
الوان اللوحة تعتبر عامل اساسي في توضيح المعاني الانسانية التي تحملها اللوحة ،فالفنان اختار لها الوان ليست مبهجة ،حتي تناسب المرحلة العمرية التي يعيش فيها صاحب اللوحة بعد ان كتب قصة حياته ،كما ان الجو الفكري الهاديء الذي يحيط باجواء الشخصية يحتم استخدام ضوء خافت يساعد اعقل علي الانطلاق في سراديب الذاكرة مستقطرا منها ما يستطيع تذكره ،و يعتبر شعاع الضوء الوحيد الساقط علي وجه الرجل لفتة مميزة اراد بها الفنان التركيز علي موضوع اللوحة و هو عقل الرجل و ذكرياته بينما نري ان شعاع الضوء ذاته قد امتد الي الكتاب ايضا ليغمره بنفس النور موضحا حالة الارتباط بين العقل و الكتاب بين اليدين.
لوحة رائعة انتجها فنان انسان مفكر هو "ايمان مالكي"
..................................................................